عمر بن مسعود بن ساعد المنذري
36
كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية
بمنزلة الملح في الطعام ، فأما لو كثرت بحيث تصير النفس مشغولة بها ، صارت مانعة عن المقصود . فهذا هو الكلام في كيفية تجريد النفس ومنعها من المألوفات وليكن ذلك على سبيل التدريج ، وإلا لم تحتملها النفس . النوع الخامس : من مهمات هذا العلم ، أنه يجب أن يكون بعيدا من الشواغل الخارجية ، وقد ذكرناه مرة ، إلا أننا أعدناه هاهنا لذكر فوائد زائدة : الفائدة الأولى : أن إلف النفس المحسوسات قوي جدا ، لأن القوى العاقلة إنما تكمل بعد الأربعين ، فأما قبل ذلك فقد كانت النفس مشتغلة بالمحسوسات ، منصبة إلى جانبها مقبلة عليها ، وكثرة المزاولات سبب لحدوث الملكات ؛ فلا جرم كل نفس قد حصل بسبب كثرة اشتغالها بالمحسوسات ، ملكة الاشتغال بها أو الانجذاب إلى جانبها . ولما كان الاشتغال بالفكر مما لا يتأتى إلا بالإعراض عن المحسوسات ، فبمقدار إلف الإنسان بالمحسوسات والتلذذ بها ، يكون نفوره عن الفكر كارها لها . إن كان كذلك استحال في مبدأ الأمر مع حضور المحسوسات ، إعراض النفس عنها ، وإقبالها على الفكر . فلا جرم من أراد أن يصيّر العلاقة بين نفسه وبين الأرواح العلوية مستحكمة ، وجب عليه في أول الأمر الفرار عن الشواغل الخارجية بأقصى الوجوه . الفائدة الثانية : أن القوة الواحدة إذا استعملت بتمامها في جانب واحد ؛ فلا شك أنها أقوى مما إذا وزعت على أمور كثيرة ؛ فإنه ليس حال كل امرئ وحال كل جزء من أجزائه في القوة سواء إذا عرفت هذا فنقول : إن اللّه تعالى خلق النفس الناطقة بحيث لا تتعطل عن الفعل البتة . أما في القوة النظرية ، فلأنها أبدا تتفكر في شيء وتتخيل في شيء ، إما بالتركيب وإما بالتخيل حتى قيل الإنسان قياس بالطبع . وأما في القوة العملية ، فلأن الإنسان قل ما يمكنه يصبر مدة مديدة لا يأتي بفعل ولا يباشر بحركة حتى إن لم يسنح له شيء من المهمات ، فلا بد وأن